الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

316

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فارجع إليها هنالك . [ 87 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 87 ] وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ ( 87 ) عطف على وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً [ النمل : 83 ] ، عاد به السياق إلى الموعظة والوعيد فإنهم لما ذكروا ب « يوم يحشرون إلى النار » ذكروا أيضا بما قبل ذلك وهو يوم النفخ في الصور ، تسجيلا عليهم بإثبات وقوع البعث وإنذارا بما يعقبه مما دل عليه قوله آتوه داخِرِينَ وقوله فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ . والنفخ في الصور تقدم في قوله وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ في سورة الأنعام [ 73 ] وهو تقريب لكيفية صدور الأمر التكويني لإحياء الأموات وهو النفخة الثانية المذكورة في قوله تعالى ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [ الزمر : 68 ] ، وذلك هو يوم الحساب . وأما النفخة الأولى فهي نفخة يعنى بها الإحياء ، أي نفخ الأرواح في أجسامها وهي ساعة انقضاء الحياة الدنيا فهم يصعقون ، ولهذا فرع عليه قوله فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ، أي عقبه حصول الفزع وهو الخوف من عاقبة الحساب ومشاهدة معدات العذاب ، فكل أحد يخشى أن يكون معذبا ، فالفزع حاصل مما بعد النفخة وليس هو فزعا من النفخة لأن الناس حين النفخة أموات . والاستثناء مجمل يبينه قوله تعالى بعد مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [ النمل : 89 ] وقوله إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى إلى قوله لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [ الأنبياء : 101 - 103 ] وذلك بأن يبادرهم الملائكة بالبشارة . قال تعالى وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [ الأنبياء : 103 ] وقال لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [ يونس : 64 ] . وجيء بصيغة الماضي في قوله فَفَزِعَ مع أن النفخ مستقبل ، للإشعار بتحقق الفزع وأنه واقع لا محالة كقوله أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] لأن المضي يستلزم التحقق فصيغة الماضي كناية عن التحقق ، وقرينة الاستقبال ظاهرة من المضارع في قوله يُنْفَخُ . والداخرون : الصاغرون . أي الأذلاء ، يقال : دخر بوزن منع وفرح والمصدر الدخر بالتحريك والدخور .